ثقافة في افتتاح الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان: فيلم "بيروت في عين العاصفة" للمخرجة مي المصري: يا بلدا يُشبههن
بقلم شادية خذير
افتتح فيلم "بيروت في عين العاصفة" للمخرجة اللبنانية مي المصري الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان "كرامة تونس – شاشة الإنسان" في وقت تعيش فيه البلاد على صفيح من نار في مناخ متعفن ومشحون بالتوتر السياسي وعدم الرضا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي وهو مناخ مشابه للمرحلة التي تتحدث عنها المخرجة مي المصري في فيلمها "بيروت في عين العاصفة".
الفيلم يتوقف عند فترة الحراك في لبنان أكتوبر 2019 وحتى بداية الأزمة الصحية للوباء كورونا وصولا الى أوت 2020 تاريخ انفجار مرفأ لبنان في الرابع من الشهر والذي أطلق عليه مصطلح "بيروتشيما" تشبيها بما جرى لمدينة هيروشيما جراء الانفجار النووي.
الفيلم من النوع الوثائقي يقتفي أثر أربع شخصيات ليرسم بالكاميرا ملامح شابات نسويات هن نويل وميشيل كسرواني اللاتي تنحدران من عائلة تصنف نفسها ضد كل المنظومات، من أم شاعرة قافزة على الكلمات والأحكام ومن أب غادر خيبات اليسار ومع ذلك حافظ على انتصاره لايدولوجيا اللا، وحنين الفتاة الريفية القادمة من البقاع والتي تقدمها الشخصية على أنها ليست بالمدينة وليست بالقرية، وشخصية لجين جو العراقية التي تعيش في لبنان والقادمة من بيئة محافظة ومناخ سياسي يتسم بالضبابية.

المخرجة مي المصري
اختارت المخرجة أن تكون أول لقطة في الفيلم ضبابية يتبين فيما بعد أنها زوم على مزيج من الأضواء الصفراء التي تنير تجمعا شبابيا في إحدى ساحات بيروت حيث قلب الحراك. تتضح الصورة شيئا فشيئا لنتبين من خلال الضوء صفوفا من الشباب وراء حواجز حديدية، يضربون على هذه الحواجز ويهتفون بشعارات لإسقاط الحكومة والفاسدين و"الحرامية" وتتضح لنا أولى الشخصيات، إنها حنين وسط الجموع، تضم صوتها إلى الحشود الواقفة أمام مبنى حكومي رافعة شعارات وحدت اللبنانيين حول عناوين مطلبية وهي إسقاط الحكومة و محاسبة الفاسدين وكل الطبقة السياسية التي اثبتت فشلها في ضمان عيش كريم للبنانيين.
"بيروت في عين العاصفة" يعري صورة لبنان، هذا البلد الذي مزقته رحلة البحث عن الاستقرار، وهو نفس الاستقرار الذي تبحث عنه الشخصيات الرئيسية نويل وميشيل وحنين ولجين في سردية متوازية لما تعيشه الشخصيات الاربع وما يعيشه لبنان في تمش زمني مشحون بالشهادات والاستعارات.
أربع مسارات وبيروت واحدة
البحث عن مستقر وعن متنفس بعيدا عن عائلة محافظة كان مبتغى الشابة العراقية لجين التي قدمت الى بيروت حاملة معها حقيبة من الأحلام والآمال بالقطع مع بيئة تكبلها وتقيد حريتها، فوجدت في تصوير الحراك منطلقا لمرحلة جديدة تعيد معها اكتشاف ذاتها، وهي بيروت تلك المدينة التي تفتح ذراعيها للجنسيات المختلفة، رحلة لجين من بغداد الى بيروت ومن ثمة الى قطر هي رحلة بحث الشباب اللبناني عن مستقر وعن هوية ضيعتها الطوائف والنزاعات السياسية.
تمضي المخرجة مي المصري لتقف بنا عند بيروت بوجهها المختلف، حنين الفتاة الريفية القادمة من البقاع والتي نتعرف على والدها المحب للأرض وأختها التي تستحضرها حنين دون أن نراها، حنين قادمة من بيئة تقليدية يبدو انها لم تعد تستجيب لانتظاراتها وأحلامها في التمرد على منظومة تتوق لتغييرها مستفيدة من المد الثوري المعروف في البقاع المحاذية لحدود ساخنة لعلها تذكر الفتاة كل يوم أن العدو على مرمى عين.
حنين تجد متعة في التوثيق بالكاميرا لكل ما يجري حولها وهي لا تختلف عن جيل كامل لا يريد أن يكون متفرجا سلبيا إزاء ما يحدث.
نويل وميشيل كسرواني تنحدران من عائلة تولي للكتب والشعر مكانة هامة، لم لا والأم شاعرة والأب قادم من عالم اليسار والسياسة التي تركها مجبرا بعد ان فشلت في الإجابة عن جميع أسئلته، تمنحنا المخرجة جرعة من الحرية وتجعلنا نستمتع بالحوارات بين الأم والبنتين وننتشي حين تستعيد ميشيل مساندة والدها وتواطئه الجميل معها لتحقيق رغبتها في النزول على ظهر جمل والسير وسط السيارات في حركة رمزية تفيد التحدي ومواجهة سلطة السائد والمسموح به.
نقد السلطة والمنظومة يتم عند العائلة ككل عبر الكلمة، ولن تختلف البنتان عن ذلك ولكنهما تكتبان في نمط موسيقي بديل يشبه كثيرا تطلع جيل جديد يعتمد القرافيتي ذو الحضور البارز في الفيلم وتلك الغمزات لموسيقى الروك وسط بيروت وشعارات يرددها المتظاهرون وتستلهم منها الفتاتان كلمات تغنيانها وتعودان بها الى ميدان الحراك.
وبيروت هي القصة المحورية للفيلم ولكنها تمر حتما عبر الشخصيات فتكون اللقطات قريبة من عيون الشابات عندما تتحدثن عن بيروت وتتسع اللقطة لما يتحول الحديث عن بيئة الشخصيات، بيروت حكاية مشحونة تراها في عيون البطلات أما البيئة فهي أوسع وهي المحرك الأساسي لكل فعل ورؤية في الفيلم.
"بيروت في عين العاصفة" كما بدأ بلقطات ضبابية ينتهي بالحيرة بشهادات محملة بالأماني بعيدا عن الرجاء، شهادات تأتي على لسان الشابة العراقية التي تقول مهما يحدث فالشعب مستحيل يقبل.
الخط الزمني للحكاية يمر عبر الرواية والشهادات الحقيقية والحية يبدأ مع أحداث الحراك في ميدان بيروت ويتواصل بشكل مسترسل لا تقطعه المؤثرات التقنية عندما يتحول الحديث عن الماضي بل يتواصل في صيرورة هو الحاضر بقوته الرمزية والذي يدور في ذهن الشخصيات ويعتمد بالأساس على سردياتهن.
لا تتخلى المخرجة مي المصري عن تقنيتها في السرد والحكاية كلما تعلق الأمر بالاحتجاج والاعتصامات التي تعتبرها رمالا متحركة متغيرة في صيرورة، ولكن تنتقل المخرجة لتروي لنا مرحلة جديدة في حياة الشابات خلال فترة الكورونا والتي قطعت الاحتجاجات لتطل علينا الشابات من خلال شاشات مختلفة ومتعددة فيصبح التواصل بين الفرد والآخر يمر حتما عبر شاشة التلفزيون او وسائل التواصل الاجتماعي، وهو وضع لم تفرضه العزلة المفروضة بسبب الأزمة الصحية فقط ولكن أيضا خمود وهج الاحتجاج وانطفاء شعلة الحماس بالتغيير والإيمان به، وهي حالة وصلت إليها الجماهير الغفيرة التي طالبت بالتغيير مثلها مثل مختلف البلدان العربية وآمنت به ولكن سرعان ما تشتتت صفوفها وبحت أصواتها لما اصطدمت بواقع عنيد تقوده منظومة غير مستعدة للتنازل عن صلاحياتها.

بقلم شادية خذير